“و خَرَّ موسى صَعِقا”

كان هذا في زيارتها الثانية للواد المقدس. في اليوم التالي لوصولها بمفردها، خطر لها أن تسير بجانب المنزل في الطريق الصاعد بين الجبال. رغم أنه كان وقت الظهيرة في شهر أبريل، إلا أنها كانت عدة أيام تحمل صقيعاً غير متوقع، فلم تشعر بحرارة الشمس أثناء مسيرتها، و ظهرت بصمة الشمس احمراراً على وجنتيها في نهاية اليوم.

.

تستمع لتلاوة القرآن الكريم بصوت مشاري راشد بالسماعات في أذنيها، ثم تقرر أن تستغني عنها، فما الحاجة لها في هذا الفضاء؟ أرادت أن يكون القرآن جزءاَ حيًّا من المشهد، فإذا جاء ذكر الجبال نظرت إلى الرواسي الشامخات عن يمينها و يسارها و في الأفق البعيد أمامها “آه، ها هي واقفة، كما تفعل منذ أن مر بها موسى عليه السلام”.

.

و إذا تساءل أحدكم عن تفضيلها لمشاري راشد، ستجيب بأن الأمر ليس تفضيلاً من حيث جودة التجويد أو مثل هذا من الأمور التقنية، إلى جانب أنها لا تعرف الكثير من القراء. الأمر يعود إلى سفرها الطويل في العام قبل الماضي، حيث كانت تلاوة مشاري راشد هي ما لديها على هاتفها الجوال إلى جانب بعض الأغنيات القليلة. صاحبوها كظلها، براَ و جواً، صيفاَ و شتاءاً، حزناً و فرحاً، تيهاً و هدايةً، صخباً و هدوءاً، حتى صارت تلاوة مشاري راشد جزء من الذاكرة كلما استمعت إليه أصابها حنين لكل ما سبق من أحوال ما حلا منها و ما لم يحلُ.

.

لا تنسى أبداً تلك الأيام عندما كانت تُحضِّر لورقات بحثية متوسطة الطول و لامتحانات نهاية العام. لا عجب أنها كانت أيام قاسية، فهذه الفتاة تجلب لنفسها الشقاء و لا شك! من بين كل العناوين البحثية التي عُرِضَت على صفِّها، اختارت موضوعاً يضعها وجهاً لوجه مع أحد أشد أنواع شقاء البشر، المجاعات. وددت أن أقول لها “تزيدين الجبهات جبهة أخرى و حرباً ضروساً! ألم يكفكِ ما بك من تيه؟!” و لكنها لم تكن لتنصت، فكلما لاح لها سؤالاً آلمها تبعته لعل نفسها تجد فيه السكون.

.

جلست لساعات طويلة في مكتبة الجامعة تقرأ عن المجاعات، حتى بدت الحياة ثقيلة جداً على النفس. استولت عليها الحيرة بين “أيفعل الله بعباده هذا؟!” و “كيف يصل مجموعة من البشر إلى هذا القدر من العجز و قلة الحيلة و الاعتمادية حتى أن المجاعة تستمر لعشرات عشرات السنين؟!”.

.

في طريق العودة للمنزل، تسير مرتديةً معطفها الواقي من الأمطارو يشمل رأسها غطاء المعطف، مستمعةً إلى تلاوة مشاري راشد في سماعات الأذن، على ظهرها حقيبتها، ويديها في الجيوب. كانت ألفاً حدباءَ متحركة. بينما تعتصر نفسها ألماً وتيهاً تفكر في المجاعات، متسائلةً “أربٌّ رحيم هو؟” تسمع من حيث لا تحتسب آيات أن الله ينزل من السماء ماءًا فيحيي به الأرض من بعد موتها و يخرج به الثمرات و النبات و يكون شراباً للناس، و تنتبه فتجد أن السماء تمطر عليها بالفعل. فتتسائل “و ماذا عن الأبرياء الذين هلكوا و يهلكون؟!” فتأتيها إجابة عثرت عليه قبلها بشهور قليلة “يا صغيرتي، إن كانوا أبرياء حقاً، فلا خوفٌ عليهم إذن و لا هم يحزنون، أطفالاً و نساءاً و رجالاً و كهولا”، حتى وصلت إلى سؤالها الأهم “و ماذا عنّي؟! هل أنا بريئة فأكون مثلهم؟” هنالك و في أحيان أخرى بدأت تصاحب هذا السؤال كثيراً.

.

كان هذا غرقاً لطيفاً لا فزع فيه، اختلط فيه ماء السماء التي فوقها بصوت التلاوة التي تنبيء بنزول الماء من السماء بماءٍ سال بلا جهد من خلف نظارتها مع نشيجٍ خفيت. كان غرقاً لطيفاً لا فزع فيه.

.

ما الذي أتى بنا إلى هذه الذكرى؟ آه، إنها تلاوة مشاري راشد للقرآن الكريم. يفصل بين المشهد السابق و مشهد سيرها في الواد المقدس عام، و لكن لا شك أنها كانت أهدأ نفساً في مشهد سيرها في الواد المقدس.

.

أثناء سيرها في الطريق الصاعد بين الجبال، مع جمال السماء، و صوت الرياح الباردة، و الزواحف التي تظهر مسرعة من مخبأ لآخر، و الأعشاب الجبلية مختلفة الأشكال و الألوان، و آيات القرآن التي تصف الجبال والسماء و الريح المسخرة و الدواب و النبات وهي/الإنسان، غمرتها سكينة هائلة و شعرت مجدداً بأنه غرق لطيف لا فزع فيه، فقد تجانس كل شيء تماماً، حتى هي كانت جزءاً أصيلاً من هذا التجانس. ظنت أن هذا أبدع ما رأت و شعرت به في حياتها بأكلمها، إلى أن أرسل الكريم عصفورين ملأ تغريدهم ما بين الجبال يتنقلون من صخرة إلى أخرى. و كأن نفسها بداخلها خرَّت صعقا، و كأن الزمن الذي يفصل بينها و بين موسى عليه السلام تلاشى. و كأن هذا كان ميقاتها.

.

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾) سورة الأعراف

Advertisements
This entry was posted in Stories حكايات, Thoughts خواطر, Traveling السير في الأرض, Wellbeing العافية and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s