أين الجوابات في حياتي؟!

آآآه..أفكر الآن أنني صرت أهاب الكتابة رغم كل السطور التي تولد يومياً في ذهني و خاصة عند النوم، سطور أثقلني حملها وحدي..ربما أهاب الكتابة لأنني أخشى أن أبدأ في الكتابة و لا أنتهي حتى أفرغ ما بداخلي مرة واحدة و أجدني بلا كلمات تماماً.

منذ فترة قصيرة أخبرت صديقتي مي أنني اعتدت في مرحلة ما في الكلية أن أكتب جوابات إلكترونية لمرام أثناء بقاءها في السعودية و أنتظر ما تكتبه لي. كانت هذه طريقتنا لنتشارك عوالمنا و نتخطى المسافة، حتى أن الأمر استمر بعد عودتها إلى مصر لتعذُّر اللقاء. هذه ذكرى دافئة لا يعرفها الكثيرون من أصدقائي.

كنا نكتب عن أي شيء نود مشاركته، مهما بدا لغيرنا تافهاً أو غير مهم، و هل بين الأصدقاء تفاصيل تافهة أو غير مهمة؟!

أن تكتب لأحد و تعلم أنه ينتظر ما تحيكه يداك من سطور، و تنتظر ما لديه من حكايات، و إن كان تعبيره عن حبه لبسكويت ديمة. و أعتذر عن تأخر جوابي، و تعتذر عن انشغالها. جواباتنا امتلأت بالمرح أكثر من أي شيء أخر.

ذات مرة وجدت مبادرة لتشجيع المصريين على تبادل الجوابات عن طريق البريد، و كان مُقدَّر أن تُعرض الجوابات في مكان و يقرأها الجميع.

كتبت لمرام جواب بخط اليد على ورقة فلوسكاب، طويته، و ذهبت مع أخي لمكتب البريد لأرسل أول جواب في حياتي، جواب له شخصية كاملة من ظرف و طابع بريد و عنوان. كنت سعيدة كطفلة تكتشف جانب جديد من العالم، و سعيدة لأن أخي شاركني هذا الحدث.

و بذكر هذه المناسبة، شكراً يا أحمد، فمثل هذه الومضات كافية لأكون ممتنة لك يا أخي الصغير الذي يفوقني طولاَ، أنا حقاً شاكرة لله على القصة التي تشاركناها في هذه الحياة، كان الأمر ممتعاً بالرغم من لحظات الألم التي تعرفها، و لكن القصة ليست مشهداً واحداً، القصة هي كل المشاهد مجتمعة، و عن هذا السيناريو الحمد لله أنا راضية. أتطلع للقائك أيضاً في الحياة التالية لتستمر في السخرية مني و أضحك عليها ثم أوبخك كما أفعل في الحياة الأولي أو ربما هي الثانية إذا وضعنا في الحسبان حياتنا التي كانت في عالم الذر.

عودةً للجوابات، ما سبق كان أول ذكرى واضحة عن الجوابات في حياتي. و التالية كانت غير متوقعة على الإطلاق.

في العام قبل الماضي أثناء ترحالي خارج أراضي المحروسة، أبناء عمي زهرة ومصطفى أغرقوني في فيضان حب صادق لم أكن أدرك غزارته، ألَّفوا لي قصيدة ليس بها أي وزن و لا قافية، و لكن إالقاؤهم لها كان له نغم، و كتبوا إلى جوابات يعبرون فيها عن مدي شوقهم إلي و رغبتهم في عودتي في أقرب وقت! العجيب أن هؤلاء الصغار استطاعوا أن يحافظوا على هذه الجوابات قرابة عام و يهدوني إياها في سرية، و كان لهم طلب خاص: ألا يطَّلع أحد عليها! ولا حتى عمتنا زهرة؟ و لا حتى عمتنا زهرة! لا أعرف لما هذه الرغبة في التكتم. كمن يهدي جزء منه لعزيز و لا يريد أن يشاركهه أحد فيه.

ثم تكرر الأمر الأسبوع الماضي عندما كانوا في منزلي، ذهبت لأنام و لم يستطيعوا. و فوجئت صباحاً بفوضى من الورق و الصمغ في الصالة، فأخبروني أنهم ظلوا ساهرين يصنعون لي ظرف و جواب. صنعوا الظرف من الورق الأبيض و الصمغ، و كتبت زهرة لي جواب في ورقة فلوسكاب صغيرة جداً رغم وفرة الورق، قلب حبيبتي امتلأ و لم يحتمل ففاض على الورق! زهرة التي قليلاً ما تعبر عن حبها لي شفهياً، تكتب ما تشعر به في جواب. فكيف لا أحب الجوابات؟!

و هي تقفز جالسة على الكرة البلاستيكية الكبيرة، نظرت تجاهي فجأة و قالت بلهجة قوية: رغده، اوعي تنسيني! فأجبتها بأن لا يا زهرة، لن أنساكِ، و أنت؟

فقالت: و لا حتى بعد ألف سنة يا رغده!

حتى زهرة صاحبة الثمان سنوات تخشى أن تُنسى!

الذكرى الثالثة للجوابات هي ذكرى يمكن أن توصف بأنها مربكة. جوابات لم أكن على يقين بأنها لي، و مع ذلك آمنت بها و أعطيتها من روحي، فوقعت في لعنة الشك.

تعلمت منها، نضجت معها، علمت من نفسي جوانب جميلة و أخرى مظلمة، أعلم أنها قدر و القدر كله خير، لكنها ليست أمر يستطيع المرء احتماله طويلاً.

أشعر برغبتي في الكتابة عنها أكثر و لكن لا أقدر على ذلك الآن، ربما لاحقاً.

وهذا هو موقع الجوابات في حياتي.

البارحة صباحاً وجدت على الفيسبوك إحدي الأمهات تبحث لابنتها الصغيرة عن صديقة/صديق مراسلة. ثم ذهبت لمقابلة مرام و مي و شيماء و مروة في حديقة، أثناء توديعي لمرام تذكرنا الجوابات، و قلت لها أنني أخبرت مي عن هذه الفترة، و أنه أمر مزعج ألا تجد من تكتب له جواب! فأخبرتني أنها قرأت جواباتنا قريباً، و دعتني لكتابة جواب لها، فعدت للمنزل و قلت  لنفسي :فلنجعلها مدونة إذاً!

في مرة أخرى أكتب عن (لماذا الجوابات؟).

This entry was posted in Letters جوابات. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s